اختر قالباً

الخميس، 22 نوفمبر، 2012

لغتنا الجميلة الى متى وانت غريبة؟!



 

ذات صباح حضرت ورشة عمل عُقدت ضمن فعاليات مؤتمر دولي بمدينة الرياض ، فما أن أستقريت في مكاني حتى عقدت الدهشة لساني !! متحدث يلوي لسانه بغير لغة الحضور أغلبهم الأعم لا يعي ما يقول إلا بحضور طرف ثالث ( أجهزة الترجمة ) 
فذهبت أقلب الأمر ما الذي دفعه لنبذ لغة القران والعمد إلى لغة انجليزيه لا أصل لها ثابت ولا نسب معروف؟ فما هي إلا لمامة طرق كلمات عربية وأخرى فرنسية وكذلك ألمانية ! أتراها الهزيمة النفسية  ، واتباع الغالب للمغلوب كما قال ابن مخلدون في مقدمته , أم  استعراض لغوي ليس هذا مكانه !!
لا أعلم ؟ لكن ما أعلمه أنه عاق جاحد للغته مرتكب جريمة بحقها !!





فانتشار اللغة واستخدامها يعبر عن واقع الأمة ، قوة أو ضعفاً ، تطوراً أو تخلفاً ،فهي صدى أمجاده الماضية ، وصورة حاضره بكافة أحداثه ، ونافذة مستقبله بآماله وطموحاته .
ولكن لغتنا العربية حوربت من أبنائها ، فبالرغم من أننا لم نُستعمر إلا أن بعض من أبناء العرب ، كرّس ثقافة الاستعمار ، ورسخ في أذهان صناع فجر أمتنا ، أن التطور والتقدم والمخترعات نكهتها غربية ، وأقرّ في أذهانهم أيضًا أن التقدم والعلم والحياة هناك ، وهنا التخلف والجهل والجمود !!



والغريب أن عدداً من معلمي ومعلمات النشء ، الذين نبني عليهم الآمال ـ على اختلاف تخصصاتهم ـ أيدوا هذه الدعاوى الباطلة ونشروها ـ وهذا ما لاحظته خلال زياراتي الميدانية ، وإطلاعي على بعض الأنشطة التعليمية عبر شبكة الانترنت ، فباتت لغتنا الجميلة غريبة على ألسنة أبنائها مع أنها خير اللغات ، فشتان بين من يتعلم اللغات ليخدم لغته الأم معتزًا بها ، و بين من يتعلمها ليلحق بها الضرر !
وأنا هنا لا أرفض تعلم اللغات الأجنبية ، لأنني بهذا أُغلق منافذ التطور العلمي والتقني ، فنظل نتخبط في متاهات التخلف ، ولكن أؤكد على إحياء اللغة العربية على ألسنة أبنائها ، فالعناية بها واجب ديني ووطني ، كما أن الإنسان لا يمكن أن يُسلم تفكيره ، ويحلق في سماء الإبداع بكافة المجالات ، إلا بلغته التي تربى عليها ، ومارسها في جميع شئون حياته ، مهما امتلك من أدوات في اللغات الأجنبية .
فنحن نعيش اليوم في عصر المعرفة ، واللغة هي أداة نقل المعرفة ولكن لا توجد معرفة بلغتنا !. على الرغم من أن لغتنا العربية تعد من أهم خمس لغات في العالم ، وقد قال إدوار سابير أحد مؤسسي علم اللغة الحديث : " إن اللغات الخمس التي كان لها دور رئيس ، في حمل الحضارة الإنسانية هي : الصينية القديمة ، والسنسكريتية، والعربية ، واليونانية ، واللاتينية "

 
فماذا علينا أن نفعل ؟


الإعلام ، الأسرة ، المعلم ، المتعلم ، المناهج ، الترجمة ، التأليف ، منصات النشر الإلكتروني ، لابد ان تُشكّل قاعدة للانطلاق ، لتعزيز لغتنا العربية على ألسنة أبنائها  ، وسأتطرق في هذا المقال للمناهج الدراسية وحركة الترجمة .


أولا المناهج الدراسية :


هناك أسطورة هندية تقول أن ستة عميان تناهى إلى سمعهم أن فيلاً كبيراً سوف يؤتى به إلى بلدتهم فذهبوا إلى حاكم ليسمح لهم بلمس الفيل لأول مرة في حياتهم. لم يمانع الحاكم و أشترط أن يصف كل واحد منهم الفيل في جملة واحدة, وفي يوم الاحتفال بدأ كل واحد فيهم بلمس الفيل ،وجاء الوصف كالتالي:
قال الأول : الفيل أقرب ما يكون إلى الحبل وقال الثاني :أنه مثل الحائط تماماً
و قال الثالث: الفيل لا يخرج عن كونه خنجر كبير، اما الرابع فقال: أنه مجرد ثعبان .
وقال الخامس :الفيل عبارة عن مروحة يدوية من الجلد!! ، وختم السادس وقال : الفيل ما هو إلا جذع شجرة.
أثناء وصف كل شخص من الستة للفيل, كان كل من في المكان يقهقه بصوت عالٍ ساخراً من الأوصاف العجيبة للفيل إلا الحاكم فقد كان يسمع بإصغاء كامل وقال : "جميعهم صادق في وصفه للجزء الذي لمسه من الفيل"


هذه القصة تجسد حال الكثير من طلاب جامعاتنا ممن يتعلم العلوم بلغة لايجيدها فيصيب جزء من المعرفة ، فهم يعتمدون على الملخصات وقليلاً ما يعودون إلى المراجع ،فكيف يشد عودهم ويسبورن أغوار المعرفة و تعليمهم ناقص حيث يستخدمون لغة لا يحسنونها، ويهملون لغتهم التي يمكن أن يحققوا بها مستوى أداء أفضل وبجهد أقل .

وقد اظهرت نتائج العديد من الدراسات إيجابيات استخدام اللغة العربية في التعليم الجامعي ، منها دراسة الجار الله والأنصاري ، حيث أكد ( 45 % ) من الطلاب والطالبات ، أنهم يستوعبون ما بين ( 25-75 % ) من المحاضرة إذا كانت باللغة الانجليزية ، وتزيد نسبة الاستيعاب للمحاضرة إذا اُستخدمت اللغة العربية مع الانجليزية ، عند حوالي (90% ) منهم.
ويرى( 50.7% ) أن التدريس باللغة الانجليزية ، يقلل من فرصة المشاركة أثناء المحاضرات ، وأفاد (92.9 % ) من الطلاب ، برغبتهم بالبدء في تطبيق التعريب فورا.
وهذه هي الفطرة السليمة ، حيث أن الله أرسل الأنبياء بلسان أقوامهم ، قال تعالى : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.



ولعلي في هذا المجال أورد اليكم جزئية استوقفتني في بحث للأستاذ/ أحمد شفيق الخطيب :
 ( افتتحت الجمعية اليهودية الألمانية " معهد التخنكو " – التكنولوجية - في حَيْفَا، الذي أنشأته بأموالها وجهد خبرائها ، وارتأت الجمعية جعل الألمانية لغة التدريس فيه ، على اعتبار أن العبرية ليست متطورة ، بالقدر الذي يسمح باستعمالها في حقل العلوم والتكنولوجية ، فقامت الدنيا بموجات الاحتجاج وإضراب المعلمين والتلاميذ ، تلاها استقالة الكثيرين من العاملين في المدارس الألمانية ، معتبرين ذلك إهانة قومية ، فهدّدوا ، بل وأنشأوا فعلاً ، مدارس عبرية بدلا منها ، فتراجعت الجمعية وتمّ للمعتزين بلغتهم الواهنة ما أرادوا ) .
اللغة العبرية تعد من أضعف اللغات و كانت في عداد الأموات ،ومع ذلك  لم يستبدلوها أهلها بغيرها ، بل بثوا فيها الروح وجعلوها لغة التعليم في كل التخصصات ، هذه صفعة بكف عبرية لنا علنا نُفيق من غفلتنا !! ونتساءل مالذي جعل معرفتنا بالعربية ، علما مجرّداً في الغالب  من كونه شعارا نعتز به وننتمي إليه ؟
ألا توافقونني الرأي بأننا نحتاج إلى :
١- إعادة بناء منهاج اللغة العربية ، في التعليم العام والعالي ، وتطعيمه بصفحات من عصور ازدهار اللغة العربية وما يبرز مكانتها وأهميتها ، بوصفها لغة القرآن الكريم ، ووعاء الحضارة الإسلامية ، و نشأة العلوم الإنسانية.
٢- إعداد معلم المستقبل بأن يكون معلم لغة ، قبل أن يكون معلمًا لعلم آخر.
٣- التدريس بلسان عربي ، في كافة العلوم في التعليم الجامعي .
٤- التوسع في التعليم العام ، في تدريس اللغة الانجليزية وإضافة اللغة الصينية ، وأي لغة ذات علاقة بالتطور العلمي والتقني المعاصر.


ثانيا حركة الترجمة :
كانت الدعوة إلى العلم قبل الدعوة إلى إبلاغ رسالة الإسلام، وأدرك المسلمون أهمية طلب العلم فنقلوا لنا كنوز المعرفة من مختلف اللغات إلى العربية، وقد بنى المأمون دار الحكمة فكانت منتدى للعلماء ومجالس للمترجمين على اختلاف لغاتهم ، فلم يتركوا علمًا الا وتناولوه تحليلا وتقويما ،فخلّصوا  العلوم من الأوهام وأسبغوها بصبغة الاسلام ، وبثوا فيها من روحهم المبدعة ، فغدت منارات  يهتدي بها السائرون في دروب المعرفة، لم ولن نرقى بأمتنا مالم يتم دعم مراكز الترجمة واجزال العطاء لها وزيادة عددها ،ولابد للقطاع الخاص من المشاركة في  انشاء مراكز ترجمة ودعمها  ،على  أن تسير الترجمة في خطى متوازية
١- ترجمة تخصصية واسعة في جميع المواد التي تدرس في الجامعات كالطب والحاسب وغيرها من العلوم مع ضرورة عمل قاموس موحد بين الدول العربية للمصطلحات العلمية كمرجع لمختصي المناهج .
٢- متابعة الجديد في المواد العلمية بجميع فروعها، ونقله إلى اللغة العربية، لتضمينه في المناهج .
٣- عدم الاكتفاء بالنقل أثناء الترجمة بل تجاوز ذلك إلى التحليل والتقويم والتأصيل واضفاء روح الابداع فيها.



إن لغتنا هي نحن، وكل تغيير فيها يستوجب أولاً تغييرًا منا في الاتجاه وفي الرؤية" ولا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم". قال ابن تيميّة رحمه الله  : فإنّ اللسان العربي شعار الإسلام وأهله ، واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميّزون.
واختتم مقالي هذا بالتنويه لتاريخ( ١٨ ديسمبر ) ، وهو اليوم العالمي للغة العربية ، والذي أقره المجلس التنفيذي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة ( اليونيسكو )  ، فلعلها فرصة لنفكر في تنفيذ مشروع أو مبادرة لخدمة لغتنا العربية ، كلاً حسب تخصصه ومجاله .
 


وفاء الوذيناني
@Al_wafa6b3i

تعليقاتكم من الفيس بوك :

6 تعليق على: لغتنا الجميلة الى متى وانت غريبة؟!

نورا يقول...

رااائعه يعطيك العافيه

e-learning يقول...

الله يعافيك حبيبتي ..

غير معرف يقول...

رائعة
لا فض فوك

e-learning يقول...

الف شكر ..

نورا يقول...

جميله هي كلماتها تفوق الجمال أبدعت وأبدع قلمها كـ عادتها أستاذتي #وفاء_الوذيناني تنثر الدرر بكلماتها~لاحرمنا من هكذا قلم نابض..

e-learning يقول...

النوري .. ازدانت مدونتي يتواجدك ..
شكرا لعذوبة حروفك :)

إرسال تعليق